أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي
310
معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب
ميادين الحروب أكر « 1 » الرؤوس ، وطلقت الأجساد والنفوس ، وهطلت سحائب الدماء ، وهملت المكاحل كأمطار السماء ، وطاشت العقول ، وزاغت أبصار الفحول . وشبت جمرات الوطيس « 2 » ، ورقص طربا اللعين إبليس ، وبيعت نفائس النفوس بالخسيس ، ونادى طائر اليمن بشؤم من غدر ، وبزغ كوكب حسين في طالع سعيد ، وولى نصوح مدبرا يمسح القفار والبيد ، ورجع شفق الحياء بوجهه مغبرا بقتام « 3 » الكدر ، وناداه منادي الدهر أين المفرّ ؟ . ورجع بخفي حنين ، وغنيمته السلامة من الحين . وقتل أكثر عساكره ، ودخل حلب ، ونار الخذلان بين الضلوع ، يا أخا الوجد لا رجعت هذا الرجوع . ثم في اليوم الثاني أخذ في جمع الأجناد ، وبذل الأموال لتكثير العدد والأعداد ، ظنا منه أن صبح سعده أسفر ، وليل نصره قد أقمر . هذا جزاء نكث العهود ، والتجاوز في الحدود . وغبّ ذلك ، ورد قابجي باشا من السردار « 4 » سنان باشا بن جفال يخبره بالأوامر السردارية : أنه قد صار حسين باشا كافل الممالك الحلبية ، وعزل نصوح باشا منها ، فتكسرت السهام على السهام . فلبس نصوح جلود النّمر ، وسال ماء غضبه كالطوفان ، وامتنع عن تسليم حلب لحسين باشا وقال : إذا ولوا حلب لعبد أسود أطيع ذلك ، إلا ابن جانبلاط . فما مضى أسبوع إلا وأقبلت عساكر حسين باشا بجموعها إلى قرية حيلان . فاستقبلهم نصوح باشا ثانيا بالحرب . وعاد والعود أقبح .
--> ( 1 ) الأكر : الكرات ، مفردها الأكرة . ( 2 ) الوطيس : التنور . ( 3 ) القتام : الغبار الأسود ، غبار الحرب . ( 4 ) السردار : القائد .